ابن كثير
241
البداية والنهاية
بقدر ما يدخل الانسان رأسه فيها إلى أن تبلغ العنق ، كان إذا فتر عن العبادة أو ذكر بعض ذنوبه وضعها في رقبته ، وربما كان يضعها إذا نعس لئلا ينام ، ووجدوا صندوقا مقفلا ففتح فوجدوا فيه سفطا ففتحه فإذا فيه دراعة وتبان ، كل ذلك من مسوح غليظ ، فبكى يزيد ومن معه وقال : يرحمك الله يا أخي ، إن كنت لنقي السريرة ، نقي العلانية . وخرج عمر بن الوليد وهو مخذول وهو يقول : أستغفر الله ، إنما قلت ما قيل لي . وقال رجاء : لما احتضر جعل يقول : اللهم رضني بقضائك ، وبارك لي في قدرك ، حتى لا أحب لما عجلت تأخيرا ، ولا لما أخرت تعجيلا . فلا زال يقول ذلك حتى مات . وكان يقول : لقد أصبحت ومالي في الأمور هوى إلا في مواضع قضاء الله فيها . وقال شعيب بن صفوان : كتب سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة : أما بعد يا عمر فإنه قد ولي الخلافة والملك قبلك أقوام ، فماتوا على ما قد رأيت ، ولقوا الله فرادى بعد الجموع والحفدة والحشم ، وعالجوا نزع الموت الذي كانوا منه يفرون ، فأنفقأت عينهم التي كانت لا تفتأ تنظر لذاتها ، واندفنت رقابهم غير موسدين بعد لين الوسائد ، وتظاهر الفرش والمرافق والسرر والخدم ، وانشقت بطونهم التي كانت لا تشبع من كل نوع ولون من الأموال والأطعمة ، وصاروا جيفا بعد طيب الروائح العطرة ، حتى لو كانوا إلى جانب مسكين ممن كانوا يحقرونه وهم أحياء لتأذى بهم ، ولنفر منهم ، بعد إنفاق الأموال على أغراضهم من الطيب والثياب الفاخرة اللينة ، كانوا ينفقون الأموال إسرافا في أغراضهم وأهوائهم ، ويقترون في حق الله وأمره ، فإن استطعت أن تلقاهم يوم القيامة وهم محبوسون مرتهنون بما عليهم ، وأنت غير محبوس ولا مرتهن بشئ فافعل ، واستعن بالله ولا قوة إلا بالله سبحانه : وما ملك عما قليل بسالم * ولو كثرت أحراسه ومواكبه ( 1 ) ومن كان ذا باب شديد وحاجب ( 2 ) * فعما قليل يهجر الباب حاجبه وما كان غير الموت حتى تفرقت * إلى غيره أعوانه وحبائبه ( 3 ) فأصبح مسرورا به كل حاسد ( 4 ) * وأسلمه أصحابه وحبائبه ( 5 )
--> ( 1 ) في مروج الذهب 3 / 222 : وما سالم . . . وكتائبه . ( 2 ) في مروج الذهب ، ومن يك ذا بأس شديد ومنعة . ( 3 ) في مروج الذهب : فما كان إلا الدفن حتى تفرقت * إلى غيره أحراسه ومواكبه ( 4 ) في مروج الذهب : كاشح . . . * واسلمه أحبابه وأقاربه وبعده : فنفسك أكسبها السعادة جاهدا * فكل امرئ هن بما هو كاسبه